 |
8 كانون الثاني 2010 عجزت ردود الفعل المعارضة لمبادرة رئيس المجلس النيابي نبيه بري المتعلقة بتطبيق المادة 95 ـ دستور عن طرح أي سبب موضوعي يدعم معارضتها، مما اضطرها للاستعانة بما «هبّ ودبّ» من الذرائع التي وصل بعضها الى حدود ضرورة اللجوء للصبر والعودة الى السباق بين النصوص والنفوس على الأولوية وإثارة الغرائز.
وقد وصل بعضها أخيراً الى اتهام المادة 95 ـ دستور بعدم الوضوح والقول إن الإشكالات القانونية معششة فيها وتمنع العمل بها فوراً. إن معظم ما طرح حتى اليوم من الذرائع لا يحتاج للمناقشة لإثبات ابتعاده المطلق عن الدقة والمنطق والموضوعية، إلا ان ما صدر أخيراً حول الجانب الدستوري يحتاج للقراءة، دفاعاً عن الدستور أولاً، قبل ان يكون الأمر متعلقاً بأي جانب آخر. وفي هذا الإطار اعتبر البعض ان ما جاء في الفقرة الأولى من المادة 95 ـ دستور يقضي بتشكيل الهيئة لإلغاء الطائفية بشكل عام وليس الطائفية السياسية فقط. ومن الواضح أن أصحاب هذا القول يستندون الى نص الجملة الثانية من الفقرة الأولى بنصها على ان «مهمة الهيئة دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية...» فهذا النص لم يشر الى ان عملية الإلغاء تقتصر على الطائفية السياسية فقال بإلغاء الطائفية من دون تحديد لجانب منها دون غيره.
قد يكون مثل هذا التفسير مقبولاً لو كانت الجملة الثانية المشار إليها سابقاً مادة مستقلة عن المادة 95 ـ دستور ولكنها جاءت في سياق نص المادة، وقد سبقها النص التالي: «على مجلس النواب المنتخب على أساس المناصفة بين المسلمين والمسيحيين اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية برئاسة رئيس الجمهورية تضم، بالإضافة الى رئيس مجلس النواب ورئيس مجلس الوزراء، شخصيات سياسية وفكرية واجتماعية». فمن قراءة هذا النص ومقارنته مع الجملة الثانية من الفقرة التي أشير إليها أولاً يتبين ان المشترع قال في الجملة الأولى «بإلغاء الطائفية السياسية» وبتشكيل هيئة وطنية لدراسة الطرق..»، أما في الجملة الثانية من الفقرة فقال بأن «مهمة الهيئة»، ولم يصفها بالوطنية أم بغير الوطنية، تتحدد «باقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية» ولم يحدد أي شكل من أشكال الطائفية. فهل يجوز تحميل صياغة هذا النص إمكان ان يكون المشترع قد قصد عند وضع الفقرة الأولى من المادة 95 ان تكون الإجراءات لإلغاء الطائفية السياسية في الجملة الأولى وأن يكون القصد من عملية الإلغاء الطائفية بكل أشكالها من دون تحديد لجانب منها في الجملة الثانية!
لا يمكن الأخذ بهذا التفسير، فالمشترع عندما صاغ نص المادة 95 ـ دستور يبدو انه حرص أشد الحرص على عدم تحميله أي تأويل فكانت هذه الصياغة التي نعترف بأنها قد أحبطت طموحاتنا بربط الجملتين مع بعضهما. فما جاء في نص الجملة الثانية اقتصر على القول «على الهيئة» فقط من دون نعتها بالوطنية. فلو أخذت هذه الجملة مستقلة عن الجملة الأولى، أي عما سبقها، لأصبح التفتيش عن أي هيئة قصدها المشترع، فهل يمكن ان يقدم على وضع نص دستوري بمثل هذه العمومية والعشوائية خصوصاً أنه أشار الى الهيئة باستباقها بـ«أل» التعريف الأمر الذي يؤكد، وبما لا يقبل الشك، ان الجملة الثانية التي ورد فيها ذكر تشكيل الهيئة لإلغاء الطائفية هي الهيئة التي ورد ذكرها في الجملة الأولى أي «الهيئة الوطنية» وأن مهمة هذه الهيئة قد تحددت بإلغاء الطائفية السياسية فقط باعتبار انه لا يجوز تشكيل هيئة من دون تحديد الإطار العام لمهمتها. وهنا لا بد من القول إن التسليم بأن المقصود من الهيئة في الجملتين واحد لا يتغير ويقضي بالتسليم بالإطار العام المحدد لمهمتها. وفي مطلق الأحوال كيف يمكن الأخذ بمقولة وجود إشكالية في المادة 95 ـ دستور ناجمة عن الإلغاء الجزئي للطائفية والإلغاء المطلق في الوقت الذي تم فيه إقرار نص المادة مع مقدمة الدستور، التي تبرأت من أي شرعية او سلطة تتناقض مع ميثاق العيش المشترك. فالعيش المشترك بين مَن ومَن، والنص على تحديد إلغاء الطائفية بحصره بإلغاء الطائفية السياسية فقط، ومن ثم باستحداث مجلس الشيوخ الذي تتمثل فيه جميع الطوائف؟
ومن الأسباب ذات الطابع الدستوري التي أثيرت أخيراً لعرقلة مبادرة رئيس المجلس الاستناد الى ما اعتبر «المفهوم الغامض» للمادة 95 ـ دستور والتساؤل عن الجهة التي تشكل الهيئة والقول ما دام رئيس الجمهورية رئيسها فكيف لا يشكلها هو ويصار الى مبادرة الرئيس بري لتشكيلها! قد يكون هذا الاتهام مبنياً على خلفية طائفية ما وفي مثل هذا الاحتمال فلا يكون لنا شأن به، أما إذا كان مستنداً لقراءة قانونية فعندها يمكن القول إن المادة 95 من الدستور قد تكون من أوضح المواد الدستورية كلها وخصوصاً لجهة تشكيل الهيئة الوطنية. فالنص جاء بصيغة ملزمة لمجلس النواب بقوله «على مجلس النواب» تشكيل الهيئة. ولهذا فإن من يشكل الهيئة محدد حصراً في المبدأ. ولكن عندما حدد المشترع الأعضاء الحكميين في الهيئة بتسمية رئيسي المجلس والحكومة سمى منهم من يكون رئيساً لها هو رئيس الجمهورية. إن تسمية رؤساء المؤسسات الدستورية الثلاث لم تكن على أساس ما عرف بـ«الترويكا» إنما لدور هؤلاء في أي عمل وطني، ولأن ما يمكن ان تنتهي إليه سيكون معروضاً للمناقشة في المؤسسات الدستورية الثلاث، والأهم من هذا ان هؤلاء الأعضاء الحكميين هم الذين يمثلون المركز الأول لطوائفهم في الدولة. وبهذا المعنى فإن كانت صلاحية تشكيل الهيئة الوطنية منوطة بمجلس النواب فإن عملية التشكيل تقتضي ربما وجوباً مشاركة هؤلاء الأعضاء وخصوصاً رئيس الجمهورية، الذي بالإضافة لكونه رئيساً للبلاد، سيكون رئيس الهيئة أيضاً، لذلك فقد يكون من المغالاة القول: إذا كان رئيس الجمهورية هو رئيس الهيئة الحصري فليس لغيره تشكيل الهيئة، فمن قواعد تشكيل المؤسسات الدستورية مثلاً ان تتشكل الهيئات (مجلس نواب ـ مجلس دستوري) ويصار الى اختيار الرئيس من بين تلك التشكيلة، وفي مطلق الأحوال عندما يكون النص الدستوري واضحاً لا يعود من مجال لطرح تساؤلات.
|