 |
8 كانون الثاني 2010 بعد كيفون، القماطية، عرمون وبشامون، يأتي الدور على مصالحة الشويفات التي تتوج برمزيتها المكانية والزمانية مسار المصالحات الميدانية والسياسية بين الحزب التقدمي الاشتراكي وكل من حزب الله وحركة امل. مصالحة يجمع الشارع أنها متأخرة عن المصالحة السياسية التي شرعت بكسر الجليد وتدشين مسار التلاقي ودفن ذاكرة ذلك "الاحد الاسود" في 11 آيار 2008.
غريبٌ هو الشعور الذي يتملكك حين تتقدم من ميكانيكي يجهد في شد احدى قطع المحرك ملقيا بمعظم جسده داخل مقدمة العربة لتسأله عن المصالحة بين الشيعة والدروز. الشعور بأن سؤالك يهطل من خارج الزمان لا يدفعك للتراجع لأن المكان، مكان كاراج الميكانيك الواقع عند مدخل "التيرو" الذي تحول ذات آيار من العام 2008 الى خط تماس شهير وبسرعة مدهشة، هذا المكان يدمغ السؤال بالشرعية في زمان المصالحة "المتأخرة". "ليه شــو فــي شــو صـــار"، هــو الــرد التلقائي المباشر الذي يقابلك به أحمد زعيتر (38 عاما). تخبره بالحدث المنتظر يوم الاحد، فيهز برأسه مفتعلا ايماﺀ المستهجن قائلا وهو يحمل المحكم الميكانيكي بيده "ما في شي يا عمي انتو الصحافيي دايما بتكبروها". لكن الواقع أن أحمد الذي يعمل في "كاراجه الملك" بالشراكة مع اخيه منذ 7 سنوات لا يشعر بخلاف مع الطرف الآخر منذ ان "أصبح جنبلاط معنا" لكن "حتى لما كان مع 14 شباط كنا اهل مع الدروز اصلا في كتير منهم بالشويفات مع ارسلان". أما ايــار الاســود او "الاحــد الاســود"، كما يسميه احمد فحتم "علينا اقفال الكاراج ليومين.. بعدها عادت الامور لطبيعتها".
نبض أحمد "المستخف" بمصالحة الأحد لا يختلف عن إنطباع جاره فريد الدرزي الذي يملك دكانا لبيع البيض بالجملة في الجوار، "الناس نسيت وبدها تعيش". يدعونا الرجل الخمسيني للجلوس خــارج المحل الــذي يحاذيه مــفــرق مــؤد الــى صــحــراﺀ الشويفات التي تسكنها أغلبية شيعية، مبديا استغرابه "لتأخير انعقاد المصالحة التي كثر الحديث عنها وكانت الناس تتوقعها قبل اليوم" لكن "لا اعرف حسابات السياسيين". يتحدث فريد عن "علاقة طبيعية مع جيراننا الشيعة، صحيح انه خلال أحداث ايار حصل توتر كبير وخصومة ونحنا سكرنا عشرة ايام ولم نفتح الا بعد ان أخذنا الامــان، لكن قــرار وليد بك الشجاع ومبادرته الى المصالحة ورغبته بتفويت الفرصة على الآخرين بالفتنة غــيــرت مــجــرى الامــــور". بعد المقدمة "السمحة" يتساﺀل فريد "هل المصالحة ستغير من حقيقة ان كل طائفة تفضل العيش والتكتل في حــي او شــارع او منطقة لوحدها؟ "ليستنتج" بالتأكيد لا وهذه ثابتة لدى كل الطوائف قبل 7 ايار وبعده لذلك لا داعي لـ "تكبير الحجر لدى الحديث عن مصالحة". يقاطعه صوت احمد زعيتر وهو ينادي ويشير الينا بيده بانه ذاهب الى "الشيخ نعيم" (تاجر درزي) ليبتاع قطعا للسيارة معلقا "شايفين الوحدة والمصالحة.. بلا صغر عقل يا عمي".
قد يكون فريد وأحمد نموذجين لمواطنين درزي وشيعي لم تكوهما نار ايار كغيرهما ممن استشهد او جرح لهم اقارب او تضررت لهم محال او منازل او سيارات. ع. ج الذي يملك كاراج حدادة أحرق خلال الأحداث من، هؤلاﺀ لكنه لا يرغب في الحديث "لا من قريب ولا من بعيد بعد ما نسينا يلي صار الله يوفقكم اتركونا بحالنا". ويخبرنا جيران ع. ج ان استهداف محله جاﺀ على خلفية اتهامه بالقيام بمهام مراقبة تحركات احد الاحزاب. وبالتأكيد أن المصالحة ستنعكس إيجابا على هؤلاﺀ وعلى ذوي الشهداﺀ تحديداً الذين سيحضر عددا منهم لــقــاﺀ المصالحة بعد ان استقبلوا في منازلهم مسؤولين حزبيين من الطرف الآخر قاموا بتطييب خاطرهم وتعزيتهم. وإذا كان لسان الحال السائد في العمروسية والصحراﺀ وحــي السلم حيث الثقل الشيعي يشي بارتياح تام الى عملية المصالحة الجارية من موقع المنتصر الذي تثبت الايام صحة خيارات فريقه السياسي، فــان في قلب مدينة الشويفات لناحية السراي والحارة قراﺀات متفاوتة للحدث لكن يبقى الإنطباع العام أن الناس نسيت وان الغالبية قد بنت حاجزا داخليا بين الذاكرة وبين تفاصيل ايام ايار السوداﺀ. الارســلانــيــون كــمــا الاشــتــراكــيــون مرحبون بالمصالحة "دون تحفظ"، كما يعلق "الكوا" سمير الذي برأيه ان "ثمة فريقا اعترف بخطأه وكل الطوائف أخطأت، كلنا اخطأنا بحق البلد". يشير الى صاحب مطعم شيعي بجواره عاود العمل بشكل طبيعي "بين الــدروز" منذ سنة بعد أن ترك المنطقة اثناﺀ الاحداث. وحين عاد بعد شهر واكتشف مقاطعة الزبائن له، آثر الانتقال من المنطقة حيث "اتهم الدروز في ذلك الوقت السكان الشيعة بايواﺀ المقاتلين الاغراب في منازلهم". يرفض الرجل الحديث بالموضوع قبل ان يرمي كلمتين "كلو تمام" وهو يحكم وضع سيخ الفراريج المشوية في الفرن. ليس دقيقاً الــقــول إن مصالحة الشويفات المتوقعة سترسي أسساً جــديــداً فــي التعاطي الشعبي بين الطائفتين المتجاورتين. فقاطن المنطقة يتيقن مــن ان زمــن كسر الجليد الشعبي على الأرض يعود الى اللقاﺀ المطول الذي جمع النائب وليد جنبلاط بالسيد حسن نصر الله، وما سبقه وتلاه من مبادرات "جنبلاطية" برعاية "ارســلانــيــة" نحو المصالحة مع الآخر. يــصــح الـــقـــول إن الــمــصــالــحــة المتوقعة يوم الاحــد المقبل تتخذ زخما سياسيا بالدرجة الاولى، هادفة الى ترسيخ ما تم انجازه في الاشهر السابقة ميدانيا وسياسيا بين الحزب التقدمي الاشتراكي وكل من حزب الله وحركة امــل في مناطق الجبل والعاصمة.
الأمير طــلال إرســـلان الــذي بدأت المصالحة بمعيته ورعايته سيطل من قاعة رابطة سيدات الشويفات ليعلن انجاز المصالحة بمحطتها الأصعب، ليس لأن العمل على الأرض تطلب كل هذا الوقت ولكن لرمزية تعود الى ما شهدته المنطقة من أحداث عدت الاكثر حساسية بين الطائفتين في ايار. 2008الـــ. حساسية تتأتى مما شاع عن خرق لضمانات اعطيت للـ "مير" خلال الاحداث بعدم المس بالمدينة التي تعتبر عقر دار "الارســلانــيــة" تاريخيا.. وحساسية ما زال ايضا يمكن تلمسها لدى حزب الله الذي تعرض لخسائر نوعية يومها فيها، كما لدى الاشتراكيين والسكان الذين هالهم ان تدق الاخطار "بوابة الجبل". ولمكان المصالحة في مقر رابطة ســيــدات الــشــويــفــات رمــزيــة أيضا، لوقوعه فــي مقابل مفرق "التيرو" الشهير الــمــؤدي الــى "حــي السلم" و "" الصحراﺀ، وهو المكان الذي تحول ذات يوم الى خط تماس بين الطرفين مــؤرخــا لمشاهد تسلل المسلحين والتراشق الكثيف بالرصاص الذي ما زالت ذاكرة موقع "يوتيوب" تحتضنه حتى اليوم. والــى رمزية المكان، فــان للزمان رمزيته المستمرة كونه يختم مسار المصالحات الشيعية الدرزية. علما ان مصالحة الشويفات تعتبر متأخرة بعض الشيﺀ لمن يراقب سير الامور التوافقي بين الطرفين، فالحزب الإشتراكي كان جاهزاً لاتمامها منذ اشهر لمن يراجع ارشيف التصريحات الصحافية للنائب جنبلاط. مــســؤول التنسيق الأمــنــي في حــزب الله وفيق صفا والـــذي شكل الى جانب الوزير اكــرم شهيب نواة الفريق المشترك الذي عمل على اتمام المصالحات منذ البداية، يعتبر ان ترك اتمام مصالحة الشويفات "للتوقيت المناسب" يعود الى "التعقيدات التي كانت تعترضها" كاشفاً عن زيــارة لشهداﺀ الحزب قام بها الطرف الآخر. وكــانــت لــقــاﺀات مكوكية جمعت بين شهيب وصفا فــي دارة خلدة خــلال الاشهر الماضية تولت انجاز المصالحات وتسوية الاوضـــاع بين الطرفين ميدانيا في معظم نقاط الاخـــتـــلاط الــســكــانــي فـــي بــيــروت والجبل. و قد اعلن الحزب الديموقراطي في بيان له الانتهاﺀ من وضع اللمسات الاخيرة، بالتعاون مع الاحزاب المعنية، لتحضيرات مصالحة الاحـــد التي ستشهد 4 كلمات لارسلان وجنبلاط وممثل الامين العام لحزب الله النائب محمد رعد وممثل الرئيس نبيه بري النائب علي حسن خليل.
|