28 ايلول 2007
تشبه قلعة المهندس والنحات الجنوبي سليمان سليمان الحلم والمغامرة في آن معاً، إذ اختارها لتكون في صلب المنطقة الجنوبية على رغم ما تتعرض له هذه المنطقة من اعتداءات إسرائيلية مستمرة، واضعاً فيها ثقلاً مادياً غير قليل، مبنياً على جهد فردي، قد يصل إلى حدود مليوني دولار أميركي، وخصوصاً أن مادة المشروع التنفيذية جلّها من الخشب المثبت بالمسامير والبراغي، والمرتبط بالفكرة الأساس التي جمعت مزيجاً من الهندسة المعمارية الفرعونية (الشكل الهرمي) والفن المعماري في جنوب شرق آسيا، ويظهر ذلك في الزخرفة الخارجية وتعدد الشرفات، إضافة إلى اعتماد الأسلوب الأوروبي في تركيب الخشب على نمط الحصون الرومانية والصليبية.
أرقام قياسية تتألف قلعة «بدادا» من ثلاثة أبنية خشبية، يتخذ كل واحد منها شكل الهرم، بارتفاع خمسة عشر متراً، وترتبط في ما بينها، في قاعدتها السفلية، بقاعة واسعة تبلغ نحو خمسين متراً طولاً وخمسة عشر متراً عرضاً. وقد أسس المهندس سليمان، والمشرف التنفيذي العملي، هذه الأهرامات الثلاثة على أعمدة خشبية صنوبرية، تراوحت أطوالها بين عشرة أمتار و15 متراً أو أكثر أحياناً، وسماكتها ما بين 25 سنتيمتراً و65 سنتيمتراً. وبلغ مجمل الأعمدة المستخدمة في المشروع 350 عموداً،
استوردت خصيصاً من فنلندا وسلوفاكيا وهنغاريا. وتغطي البناء المنحدر للأهرام 170 متراً مكعباً من ألواح خشب «السوّيد» المتصلة بعضها ببعض بـ2200 برغي، بلغت أطوال بعضها متراً واحداً، بسماكة 16 ميليمتراً أو 18 ميليمتراً، فضلاً عن طنّين اثنين ومئتي كيلوغرام من المسامير المختلفة الأحجام، من 6 سنتيمترات إلى 12 سنتيمتراً. وطُلي الخشب بنحو طن من زيت البويا للحفاظ على الخشب وإطالة عمره، و600 ليتر من مادة «الفرنيش». ويضاف إليها آلاف الأطنان من الصخور التي تحوط المشروع من مختلف الجوانب، وبلغ ارتفاع بعضها نحو ستة أمتار.
تحفة فنية يبدأ المشروع ببوابات خشبية مميزة، ونحوت صخرية تنتصب في المكان، أحدها عند المدخل الرئيسي لشيخ الفكر والإبداع، ومنحوتة رائعة للطير المذبوح، في إشارة إلى أهمية أن تتحول المنطقة «البكر» إلى محمية بيئية وطبيعية،ثم تنتشر الصخور المنقبة من البقعة التي ينتمي إليها المشروع وتبلغ نحو 45 ألف متر مربع، ويقوم المشروع على نحو سبعة آلاف منها. وتتميز هذه الصخور بأنها تحتوي على مجموعات هائلة من الأصداف المتحجرة «التي تعود إلى الحقبة التي كان فيها لبنان لا يزال غارقاً تحت مياه البحر»، وقد اكتشف المهندس سليمان في خلال حفر كهف صخري جانبي العديد من الأصداف المجوفة في الصخر و«الحلزونيات» البارزة.
يقول المهندس الكهربائي سليمان: «مشروع القلعة مستوحى من القلاع عبر التاريخ القديم، ومكانه هنا في هذا الوادي القريب من تفاحتا، الذي هو بمثابة غابة لا تزال بكراً، ومن الضروري اعتبارها محمية طبيعية وسط واد حرجي بعض أشجاره من «القاتل»، المعروفة بـ«القطلب»، وهي استوائية تنقل بذورها الطيور المهاجرة عبر روثها حيث تنبت من جديد. وهي تعتبر نادرة في الجنوب، إذ لا تنبت إلا في أماكن عبور الطيور المهاجرة، فضلاً عن أشجار حرجية متنوعة تحيط بالقلعة من كل جهة.
يبلغ محيط جدران القلعة نحو 270 متراً مربعاً بارتفاع ستة أمتار، مشيدة من الصخور الضخمة التي يزن بعضها عشرات الأطنان، ما استوجب استخدام رافعات كبيرة في تركيبها ضمن قوالب خشبية. وإن لها واجهة على الطريق العامة التي تربط الساحل ببلدة تفاحتا، يبلغ طولها تسعين متراً بارتفاع ستة أمتار. أما من الناحية الداخلية ففيها خندق بطول 180 متراً وعرض خمسة عشر متراً وارتفاع ستة أمتار، قسم منه مغمور بالمياه. وتنزل ستة شلالات من المنطقة الحرجية والصخور لتصب في البرك والمسبح المقرر إنشاؤه والذي سيكون بطول 110 أمتار، وقريباً من «شيار» صخري طوله 150 متراً وارتفاع 25 متراً.
سبع سنوات من العمل ويشير المهندس سليمان الى «أن البناء العلوي من الخشب كذلك، وعلى شكل ثلاثة أهرامات، وقد استغرق العمل في بناء القلعة التي تشبه الحصن سبع سنوات. ويؤكد ان «معظم الأشغال أُنجزت حرفياً ويدوياً ولم أستخدم ورشاً متخصصة، بل نفّذتها وصمّمتها بنفسي بمساعدة ورشة من الفنيين والعمال المهرة من أبناء هذه المناطق. وقد روعيت البيئة الطبيعية والحرجية في عملية الديكورات والتصاميم».
ويلفت سليمان إلى «أن كمية الأعمدة المستخدمة في المشروع، مع الأخشاب والبراغي والمسامير والطلاء، قياسية قد تدخل في «موسوعة غينيس». وقد تبلغ تكلفة المشروع نحو مليوني دولار أميركي». ويتمنى سليمان على الدولة اللبنانية ووزارتي الثقافة والسياحة «اعتماد القلعة الحصن معلماً سياحياً ولحظها على خريطة الأماكن السياحية في لبنان، علماً بأنها تتسع لنحو ألفي شخص دفعة واحدة».
آخر إنجازات قلعة «بدادا» بعد تنفيذ مشروع مرخص متواضع لتلفريك يتحرك لمسافة ثلاثة كيلومترات على ارتفاع يراوح بين 150 متراً و250 متراً، مع ألعاب «تزحلق» وسط الغابات ترتبط بالتلفريك، وإنجاز 20 كوخاً طينياً «شاليهات» على النمط السومري.
قلعة بدادا يقع المشروع القلعة في واد يعرف بوادي الملوك، في وسط الطريق بين الساحل وبلدة تفاحتا، على ارتفاع 25 متراً عن سطح البحر، وبدادا في الآرامية تعني «المتاهة»، في إشارة إلى الطريق التي يقع عليها المشروع وتشبه المتاهة، والتي كان يسلكها الملك المجري أيام الحروب الصليبية، عندما كان يشرف على ترميم قلعة الشقيف الذي استمر سبع سنوات. وكانت البواخر المجرية تأتي عبر نهر الدانوب، ثم البحر المتوسط، لتحطّ رحالها عند شاطئ الصرفند، ثم تنطلق المواكب من وادي الملوك نحو قلعة الشقيف.
يتكوّن المشروع من شقّين: الحصن والقلعة الخشبية. وبداخله قاعات فسيحة، تعتبر جديدة ومميزة في طريقة إعدادها. وهي مخصصة لاستقبال المعارض الثقافية والفنية والتراثية والشعبية. وخصصت إحدى القاعات لتكون معرضاً دائماً للنحوت والتماثيل التي يمتلك الفنان سليمان منها أكثر من مئة بين ضخمة ومتواضعة، ابتدعها خلال سنوات من النحت المتواصل في الحجارة والصخور والأخشاب، التي بدأت احترافية عام 1980.
وقد حوّل جذوع بعض أشجار الزيتون النابتة في المكان، هي الأخرى إلى منحوتات حية تبوح بالخضرة. يبلغ طول القاعة 110 أمتار وعرضها 12 متراً، بارتفاع 15 متراً، مسقوفة بالأعمدة الخشبية (48 عموداً) ويبلغ طول العمود الواحد منها 16 متراً. فضلاً عن ترّاسات داخلية وخارجية، وقاعات للاحتفالات وصالات لاستقبال الوفود الزائرة، منها صالة شتوية بطول عشرين متراً وعرض 15 متراً، وتتبع لها مغارة بطول عشرين متراً وعرض سبعة أمتار، كلها مبنية على نمط غير تقليدي ومستوحاة مما تتميز به مناطق الجنوب، واعتمدت الألوان النارية والترابية لإظهار جمالية الصالات وقاعات المعارض. وما يميز القلعة الحصن كذلك، الجسر الخشبي الذي يرتفع فوق الطريق الرئيسية لبلدة تفاحتا ويبلغ طوله 27 متراً.
رعاية الدولة الغائبة المهندس الفنان سليمان سليمان البالغ 63 عاماً، هو من بلدة حولا الحدودية، عرف وادي تفاحتا من خلال عمله مهندساً، فاختاره مكاناً لإقامة مشروعه ــــــ الحلم، واستغرق عمله بناءً ونحتاً حوالى 7 سنوات، وهو يسعى بشكل دؤوب إلى استكماله وفق تصوراته الطموحة والمغامرة، أي أن يصبح مشروعه مقصداً سياحياً بارزاً في لبنان، لكنه يتوقع من الدولة ووزاراتها المعنية الاهتمام وأن تشمله بعين الرعاية والعناية، أسوة بأعمال أخرى رائدة في هذا المضمار، في غير منطقة من لبنان.
|